مشروع الملك عبد الله لتطوير مرفق القضاء "بنية وبيئة"
جريدة الإقتصادية د. حسن عيسى الملا - 28 - 10 - 2007
كتبت في قراءتي السابقة لنظامي القضاء وديوان المظالم الصادرين بالمرسوم الملكي رقم (م/78) تاريخ 19/9/1428هـ المنشورة في جريدة الاقتصادية العدد (5122) تاريخ 9/10/1428هـ عن واقع القضاء في ظل النظام القضائي السائد قبل صدور المرسوم· وعن الجديد في المرسوم الملكي فيما يتعلق بالقضاء العادي· من حيث إعادة تشكيل "المجلس الأعلى للقضاء" وتعديل اختصاصاته· ودرجات التقاضي· والتخصص النوعي· وتوثيق العقود· وتعيين القضاة· وتنازع الاختصاص بين المحاكم· أو امتناع كافة المحاكم عن النظر في نزاع· وتنفيذ الأحكام· والمحاكم المرورية· وخضوع المحاكم لنظام المرافعات الشرعية ونظام الإجراءات الجزائية· والتفتيش القضائي الذي انتقل من وزارة العدل إلى المجلس الأعلى للقضاء. واستكمالاً للقراءة السابقة· فإن الجديد في المرسوم الملكي الكريم لم يقتصر على القضاء العادي بل شمل أيضاً ديوان المظالم كقضاء إداري· فما الجديد؟ الجديد في المرسوم الملكي فيما يتعلق بديوان المظالم. 1 - الاختصاص والتشكيل: أ) أعيد لديوان المظالم اختصاصه كهيئة قضاء إداري مستقلة· ونزعت عنه الاختصاصات الأخرى التي أضيفت إليه تحت ظل النظام القديم كالقضاء التجاري وقضايا التزوير وخلافه. ب) لم يكن لديوان المظالم مجلس قضاء كما كان للقضاء العادي "مجلس القضاء الأعلى" وبالتالي أحدث في هذا النظام "مجلس القضاء الإداري"· ونصت المادة (5) من النظام على تولي "مجلس القضاء الإداري" مهام شبيهة بمهام "المجلس الأعلى للقضاء" الواردة في نظام القضاء إلى جانب الاختصاصات الأخرى المقررة له في نظام ديوان المظالم. 2 - درجات التقاضي: كما هو الحال في نظام القضاء· فلقد تبنى نظام الديوان ثلاث درجات للتقاضي مكونة من محاكم إدارية ومحاكم استئناف إدارية ومحكمة إدارية عليا بمثابة محكمة للنقض والإبرام. 3 - المحاكم المتخصصة الإدارية: تباشر المحاكم الإدارية اختصاصها من خلال دوائر متخصصة. أجيز لمجلس القضاء الإداري إحداث محاكم متخصصة أخرى بعد موافقة الملك (م - 8). 4 - القرار الإداري المفترض في دعاوى الإلغاء:ـ الجديد ما ورد في الفقرة (ب - 13) التي نصت على أنه "يعد في حكم القرار الإداري رفض جهة الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه· وبالتالي يمكن لكل ذي مصلحة رفع دعوى إلغاء قرار إداري لم يصدر صراحة· وإنما افترض صدوره حكماً. 5 - شمولية دعوى الإلغاء وتوسيع قاعدة الجهات التي تعد قراراتها إدارية وتخضع لدعاوى الإلغاء أمام الديوان. أ) دعوى الإلغاء للقرارات الإدارية تقبل من ذوي الشأن· متى كان مرجع الطعن فيها قائم على ادعاء عدم الاختصاص أو جود عيب في الشكل أو عيب في السبب أو مخالفة النظم واللوائح أو الخطأ في تطبيقها أو تأويلها أو إساءة استعمال السلطة. ب) المحاكم الإدارية مختصة ليس في النظر في دعاوى إلغاء قرارات الوزارات والأجهزة الحكومية وإنما أيضاً وهذا مهم جداً "القرارات النهائية التي تصدرها اللجان شبه القضائية" والمجالس التأديبية وجمعيات النفع العام وما في حكمها· مما يحتاج معه الأمر إلى تفصيل وتحديد في نظام المرافعات أمام الديوان. 6 - تنازع الاختصاص: المادة (15) من نظام ديوان المظالم تقابل المادة (27) من نظام القضاء· والأخيرة تسمو على الأولى حسب مقدمة نصها· وكلاهما نصتا على تشكيل لجنة للفصل في التنازع على الاختصاص فيما بين كل منهما والجهات الأخرى وسنفصل ذلك فيما بعد 7 - نظام المرافعات أمام ديوان المظالم: هذا من المتوقع صدوره ليحل محل سابقه· ويعكس ما ورد في النظام الجديد من أحكام. متطلبات البيئة القضائية مما لا شك فيه أن صدور هذين النظامين لتنظيم مرفق القضاء· لا ُيعد في نظري مجرد تطوير في مرفق القضاء بل هو ثورة تنظيمية نوعية بكل المقاييس· ولذلك فهي تحتاج لهذه المكرمة الملكية التي بلغت سبعة مليارات ريال· لأن إعادة تشكيل المحاكم وتعيين عدد كبير من القضاة بعد تعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم· وتشكيل المحكمتين العليين· ومجلس القضاء الإداري· وما يتبع ذلك من مساعدين قضائيين وخبراء لتلخيص ونشر السوابق القضائية· كل ذلك يتطلب جهداً ومالاً كبيرين· تستحق معه هذه الثورة في مرفق القضاء التي تشكل مشروعاً متكاملاً· أن يطلق عليها اسم مشروع الملك عبد الله لتطوير مرفق القضاء. هذا المشروع أعاد بناء البنية القضائية· ولكي تؤدي هذه البنية القضائية دورها العادل بنجاح فإنها تحتاج إلى بيئة قضائية تتمثل في التالي: 1 - تقنين الأحكام الفقهية: نصت المادة الحادية عشرة من نظام القضاء ونظام ديوان المظالم على أن تتولى المحكمة العليا والمحكمة الإدارية العليا مراقبة سلامة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما يصدره ولي الأمر من أنظمة لا تتعارض معها في القضايا التي تدخل ضمن ولاية القضاء العام· وزادت المادة الحادية عشرة في نظام الديوان من اختصاص المحكمة الإدارية العليا بأن أعطتها صلاحية النظر في الاعتراضات على الأحكام التي شابها خطأ في تطبيق أو تأويل الأحكام الشرعية أو نصوص الأنظمة· وزادت هذه المادة على ذلك بأن أقرّت مبدأ السوابق القضائية الإدارية· بحيث إنه من اختصاص المحكمة الإدارية العليا النظر في الطعون المتعلقة بمخالفة الحكم موضوع الطعن لحكم آخر سابق صادر من المحكمة الإدارية العليا في قضية سابقة· مما يعني استكمالاً للبيئة القضائية ضرورة إصدار أنظمة للمعاملات المدنية· والأحوال الشخصية من زواج وطلاق وحضانة وإرث ووصية· ونظام للعقوبات خاصة ما تعلق منها بالعقوبات التعزيرية وغير ذلك من الأنظمة· بالإضافة إلى نشر السوابق القضائية بانتظام· لتستطيع المحاكم العليا ممارسة اختصاصها ذاك. 2 ـ تعزيز دور المحامي: تطوير أداء "المحامين" وتأكيد دورهم العملي في مساعدة القضاء· ذلك أن من يستأنف الحكم أو يعترض عليه أمام المحكمة العليا بسبب مخالفة ذلك الحكم للأنظمة· لا بد أن يكون محامياً ممارساً حاصلاً على ترخيص ومؤهلاً للترافع أمام المحاكم بكافة درجاتها· وفي ذلك إسهام في إيجاد ما سميناه بالبيئة القضائية. 3 ـ محكمة عليا مستقلة للنظر في تنازع الاختصاص وحالة "لا محكمة": أنشأ النظامان ما سميّ بلجنة الفصل في تنازع الاختصاص في كل من "المجلس الأعلى للقضاء" و "مجلس القضاء الإداري". مهمة الأولى الفصل في أي تنازع بين المحاكم وديوان المظالم أو الجهات الأخرى ذات الاختصاص القضائي على اختصاص كل منهما في النظر في الدعوى· أو إذا تخلت كافة المحاكم عن النظر في دعوى بعينها· أو نشأ نزاع في شأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين· أحدهما صادر من المحاكم والآخر من الديوان أو إحدى اللجان ذات الاختصاص القضائي. ومهمة لجنة التنازع في الديوان النظر في التنازع في الاختصاص أو تنفيذ الأحكام بين الديوان والجهات الأخرى ذات الاختصاص القضائي. وتطلب النظامان أن يكون في عضوية كل لجنة ممثل عن الجهة الأخرى المنازعة· فهل هذا يعني أن هذه اللجان ليس لها وجود دائم· وأنها تشكل لكل حالة على حده؟ ثم إن البيئة القضائية الصحية تتطلب أن يكون هناك جهة واحدة محايدة تفصل في تنازع الاختصاص ويكون قرارها ملزما للجميع· خاصة إذا ما قامت حالة "لا محكمة" أي رفضت كافة المحاكم النظر في نزاع معين بحجة عدم الاختصاص. 4 ـ قضاء الاتهام أحد أقضية السلطة القضائية: البيئة القضائية الصحية تتطلب إخضاع قضاء الاتهام (هيئة التحقيق والادعاء العام) إلى السلطة القضائية أسوة بقضاء الحكم (المحاكم على اختلاف أنواعها) وقضاء التنفيذ (المحاكم المختصة بتنفيذ الأحكام) وأن تعمل جميعاً تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء· فهم جميعاً أثافي السلطة القضائية. مما يسري كذلك على هيئة الرقابة والتحقيق وأية جهة أخرى مماثلة تعلقت بالقضاء الإداري. بعد كل ما كتبت· فإن الأمر في نظري لا يزال يحتاج إلى دراسات متعمقة· خاصة ما تعلق منها بآليات التنفيذ· ليتحول بإذن الله مشروع الملك عبد الله لتطوير مرفق القضاء· إلى مشروع لتحسين البيئة العدلية بأكملها· حيث يصدر مرفق القضاء أحكامه وفقاً لما صدر من ولي

