البيئة العدلية ومتطلبات التنمية الإقتصادية »
الملخص التنفيذي
لدراسة البيئة العدلية ومتطلبات التنمية الاقتصادية
منتدى الرياض الاقتصادي الثالث
1428هـ - 2007م
مقدمة:
يشهد العالم تطوراً متسارعاً في كافة المجالات ، ومنها المجال الاقتصادي ، وتسعى الدول إلى تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال إتباع سياسات وإستراتيجيات متنوعة يعد من أهمها تطوير البيئة العدلية بشقيها التشريعي والقضائي باعتبارهما أحد مرتكزات التنمية الاقتصادية .
وقد أولت المملكة اهتماماً خاصًا بالتنمية الاقتصادية حيث حققت تطوراً في جميع القطاعات ، وفي ظل انضمام المملكة مؤخراً لمنظمة التجارة العالمية وما يعيشه العالم من تطور متسارع في شتى المجالات فإن المملكة أصبحت بحاجة ماسة إلى إسراع الخطى في تفعيل الإصلاحات الاقتصادية من خلال تطوير مرتكزاتها الأساسية وفي مقدمتها تطوير البيئة العدلية. وترتكز البيئة العدلية على محورين أساسيين هما التشريع والقضاء ، وقد أدركت المملكة أهمية تطوير البيئة التشريعية لدعم التنمية الاقتصادية فأنشأت العديد من الأجهزة وأصدرت العديد من الأنظمة التي تساعد على ذلك.
ويعد القضاء وسيلة رئيسة لتطوير البيئة العدلية ودعم التنمية الاقتصادية وقد أولت المملكة أهمية خاصة للقضاء فسعت لتطوير السلطة القضائية وإعادة هيكلة أجهزتها بالكامل من خلال إصدار نظام جديد للقضاء وآخر لديوان المظالم بالمرسوم الملكي رقم م/87، وتاريخ 19/9/1428هـ.
ومن العناصر الهامة التي تدعم البيئة العدلية رفع مستوى العاملين فيها ، بما في ذلك القضاة والمستشارين القانونيين والشرعيين والمحامين وغيرهم . كذلك فإن توفير بيئة تشريعية وقضائية مناسبة لعمل المرأة يعد من العناصر الداعمة لتطوير البيئة العدلية .
موضوع الدراسة:
إن مواجهة المملكة لتحديات محلية ومستجدات عالمية يتطلب تطوير البيئة العدلية بجميع مكوناتها باعتبارها أساساً في حماية التنمية الاقتصادية وعامل جذب محوري للاستثمارات ، وهذا ما دعى لتقديم هذه الدراسة في منتدى الرياض الاقتصادي بدورته الثالثة عام 2007م لكي تناقش تطوير البيئة العدلية كأحد متطلبات التنمية الاقتصادية .
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة من خلال عناصرها إلى عرض المعوقات وتقديم التوصيات التي تساعد على توفير بيئة تشريعية مناسبة وتطويرها بشكل مستمر لدعم التنمية الاقتصادية ، وضمان بيئة قضائية عادلة تضمن حماية التنمية الاقتصادية بكل كفاءة ورفع مستوى التأهيل الأكاديمي والمهني لمنسوبي البيئة العدلية بما يكفل تطوير الأداء، وكذلك تحسين بيئة عمل المرأة من خلال تطوير البيئة التشريعية والقضائية بما يساعد على زيادة مساهمتها في التنمية الاقتصادية.
منهجية الدراسة:
عمدت الدراسة إلى استخدام منهجين هما المنهج الوثائقي التحليلي والذي يعتمد على الاطلاع على الكتب والأنظمة واللوائح والقرارات والاتفاقيات والدراسات والأبحاث والتقارير والمواقع الإلكترونية ذات العلاقة ، والاستفادة من تجارب الدول وتحليل الواقع في المملكة ، والمنهج الاستقصائي ، والذي يعتمد على استقصاء آراء المسئولين والمهتمين بموضوع الدراسة من خلال توزيع استبانات على تلك الفئات وإجراء مقابلات لاستقصاء آراء عينة من مجتمع الدراسة .
مكونات الدراسة:
تتكون الدراسة من ستة فصول هي على النحو التالي : الفصل الأول : تطوير البيئة التشريعية ، الفصل الثاني : تطوير البيئة القضائية ، الفصل الثالث : تأهيل وتدريب منسوبي البيئة العدلية ، الفصل الرابع : البيئة التشريعية والقضائية المنظمة لعمل المرأة ، الفصل الخامس : الدراسة المسحيــة ، الفصل الختامي : التوصيات النهائية.
تشخيص الوضع الراهن:
تطوير البيئة التشريعية
ترتكز البيئة التشريعية السليمة على عدد من العناصر أهمها الالتزام بالتدرج التشريعي وحسن صياغة التشريعات، ووضع إجراءات دقيقة لصدور التشريعات ، ووجود ضمانات لحسن تطبيقها ، والعمل على تقويمها وتطويرها باستمرار ، ونشرها لضمان وصولها للجميع ، إضافة إلى إتاحة الفرصة لمؤسسات المجتمع المدني والأفراد لإبداء مرئياتهم في شأن مشاريع التشريعات. وقد ركز هذا الفصل على هذه العناصر من خلال استعراض الوضع القائم في المملكة وتقييمه ومقارنة ذلك بالتجارب الدولية، وفيما يلي استعراض لأهم النتائج التي تم التوصل إليها:
أولاً : التدرج التشريعي وحسن صياغة الأنظمة واللوائح :
تتدرج التشريعات من حيث قوتها الملزمة من الدستور إلى التشريعات العادية أو الرئيسية (القوانين أو الأنظمة) ثم التشريعات الثانوية أو الفرعية (اللوائح) ، ويهدف التدرج إلى تقييد التشريع الأدنى بالتشريع الأعلى. وتعتبر المملكة الشريعة الإسلامية هي المصدر الأصلي للتشريع ، ولتنظيم مختلف النشاطات ومسايرة التطورات أصدرت المملكة العديد من الأنظمة واللوائح التي تحكم مختلف المجالات بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. وقد اتضح من خلال الدراسة وجود عوائق تواجه التدرج التشريعي في المملكة وصياغة الأنظمة واللوائح ، أهمها ما يلي :
1. عدم تدوين بعض أحكام الشريعة الإسلامية ، وقد رأى (96%) من عينة الدراسة أن أحد الآليات الهامة لرفع كفاءة البيئة التشريعية تدوين أحكام الشريعة الإسلامية.
2. تفادي القاضي تطبيق بعض أحكام الأنظمة إذا رأى أنها لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية .
3. عدم توفير أنظمة تحكم ممارسة بعض الأنشطة الاقتصادية.
4. عدم وجود دليل أو نموذج أو معايير موحدة لإعداد الأنظمة .
5. تشتت بعض القواعد التنظيمية خارج الأنظمة واللوائح لصدورها بأشكال مختلفة مثل : قواعد ، وتعاميم ، وضوابط، وأوامر ، وغيرها .
6. عدم توافق واتساق بعض أحكام الأنظمة مع أحكام الأنظمة التي تعلوها أو الأنظمة الأخرى التي في نفس درجتها.
7. عدم تعديل بعض الأنظمة بما يتفق مع الاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها المملكة أو تنظم لها .
8. عدم توضيح الأنظمة أو الأحكام الملغية بموجب الأنظمة التي تصدر .
9. عدم الوضوح والدقة في بعض الأحكام الواردة في بعض الأنظمة .
10. صدور بعض اللوائح التنفيذية دون دراسة كافية ، وعدم التنسيق بشأنها مع الجهات المعنية.
11. تعديل الأنظمة دون استمزاج رأي المعنيين بها مما يؤثر سلباً على استقرار المعاملات, ونشاط المنشآت الاقتصادية التي أسست وفقاً للأنظمة السارية.
12. اختلاف الإجراءات التي تتخذها الجهات الحكومية حسب المناطق .
ثانياً : إجراءات صدور التشريعات :
تختلف إجراءات صدور الأنظمة عن إجراءات صدور اللوائح ، وتمر إجراءات صدور الأنظمة في المملكة بعدة مراحل تبدأ من مرحلة الاقتراح الذي قد يكون من الملك ، أو مجلس الشورى ، أو المجلس الاقتصادي الأعلى ، أو هيئة الخبراء ، أو الهيئة العامة للاستثمار ، أو الوزير المعني ثم مرحلة الدراسة التي يشترك فيها مجلس الوزراء ومجلس الشورى ، ثم تليها مرحلة الإصدار والنشر والنفاذ.
أما إجراءات صدور اللوائح فإنها تتسم بالمرونة ، وتختلف من جهة حكومية إلى أخرى. وقد أتضح من خلال الدراسة وجود عوائق تتصل بإجراءات صدور الأنظمة واللوائح هي:
1. عدم توفر إجراءات واضحة ومحددة لإجراءات صدور الأنظمة واللوائح .
2. عدم إعطاء الجهات التنفيذية مشاريع الأنظمة واللوائح حقها الكافي من الدراسة والتدقيق قبل إصدارها أو رفعها .
3. عدم وجود مراكز معلومات تقوم بتوفير المعلومات والبيانات التي تساعد الجهات المعنية لإعداد الأنظمة واللوائح بشكل سليم.
4. عدم توفر الأعداد الكافية من الكفاءات في الإدارات القانونية في الجهات الحكومية للمساهمة في إعداد مشاريع الأنظمة واللوائح بالشكل المناسب.
5. عدم وجود نصوص تلزم الجهات الحكومية بإعداد السياسة التشريعية قبل صياغة مشروع أي نظام .
6. عدم وجود نصوص تلزم الجهات الحكومية بإعداد مذكرة إيضاحية ترفق مع مشروع النظام توضح وتشرح أحكامه.
7. عدم توفر الوقت والإمكانات الكافية لمجلس الشورى وهيئة الخبراء للمبادرة بمقترحات بشأن الأنظمة.
8. عدم وجود خطة تشريعية سنوية تتناسب مع قدرات الجهات المعنية بما فيها السلطة التنظيمية .
9. التأخر في إصدار اللوائح التنفيذية .
10. ضعف إشراك ذوي الشأن من القطاع الخاص في إعداد الأنظمة التي تؤثر على منشآتهم الاقتصادية.
ثالثاً : ضمان تطبيق التشريعات :
رغم أهمية توفير تشريعات تحكم كافة الأنشطة إلا أن الأهم توفير ضمانات تضمن تطبيق هذه التشريعات والالتزام بها، وقد ظهر أن (97%) من عينة الدراسة يرون أن توافر ضمانات كافية لتطبيق الأنظمة تعد أحد الآليات المهمة لرفع كفاءة البيئة التشريعية ، ويعتمد حسن تطبيق التشريعات على عدد من العوامل منها التزام القضاة والسلطة التنفيذية والمخاطبين بأحكامها. وتتعدد أنواع الرقابة التي تفرض لضمان تطبيق الأنظمة واللوائح فمنها الرقابة الداخلية التي تسند إلى الجهات التنفيذية ، ومنها الرقابة الخارجية التي تسند إلى بعض الجهات مثل: مجلس الوزراء، ومجلس الشورى، وهيئة الرقابة والتحقيق ، وديوان المراقبة العامة ، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ، ومنها الرقابة القضائية التي تعد من أهم أنواع الرقابة حيث تتصف بالحياد والموضوعية ، كما أن زيادة وعي المجتمع تساعد على ضمان تطبيق التشريعات . وقد اتضح من خلال الدراسة وجود عوائق تواجه ضمانات التطبيق هي :
1. عدم وجود جهاز مركزي مستقل يقوم بمراقبة تطبيق الأنظمة واللوائح .
2. عدم تفعيل دور الرقابة الداخلية بالشكل الكافي .
3. التهاون في محاسبة المقصرين والمهملين في أداء المهام المطلوبة منهم .
4. قصور الإمكانات البشرية والمادية للإدارات المسند لها المهام الرقابية في الجهات الحكومية .
5. عدم توفر الوعي الكافي لدى أفراد المجتمع حول أهمية احترام تطبيق الأنظمة واللوائح .
6. عدم توفر الآليات الواضحة للدور الرقابي لهيئة الرقابة والتحقيق وديوان المراقبة العامة في مجال تطبيق الأنظمة.
7. التهاون في تطبيق العقوبات والجزاءات على المخالفين للأنظمة .
رابعاً : تقييم التشريعات :
إن مراجعة وتقييم وتطوير التشريعات بشكل مستمر ودوري ووفق آليات فعالة أمر ذو أهمية بالغة وذلك لكي تتوافق التشريعات مع ما قد يطرأ من تطورات وتغيرات محلية ودولية ، إذ قد يكشف التقويم عن أحكام أو إجراءات تعيق التطور أو الإصلاح ، كما قد يكشف عن نقص ما يحتاج إلى علاج لمواجهة التحديات والمستجدات. وقد اتضح من خلال الدراسة وجود عوائق تواجه تقييم التشريعات في المملكة هي :
عدم توفر خطة وإجراءات محددة وواضحة لتقويم الأنظمة واللوائح .
1. عدم قيام بعض الجهات التنفيذية بمراجعة الأنظمة واللوائح المتعلقة بها لتقييمها بالشكل الكافي ، وقد ظهر أن ( 69% ) من عينة الدراسة ترى أن مراجعة الأنظمة في المملكة لا تتم بصفة دورية.
2. عدم التعامل مع ما يطرح من مقترحات بشأن مراجعة وتقييم وتطوير الأنظمة واللوائح بالشكل المناسب للاستفادة منها.
3. عدم قيام الجهات المعنية مثل مجلس الشورى وهيئة الخبراء بمجلس الوزراء والمجلس الاقتصادي الأعلى والهيئة العامة للاستثمار بتقويم الأنظمة بالشكل الكافي .
4. عدم توفر الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لدى الجهات المعنية للقيام بتقويم الأنظمة بالشكل المناسب .
خامساً : إشراك مؤسسات المجتمع المدني والأفراد لإبداء مرئياتهم في مشاريع الأنظمة واللوائح :
تلعب مؤسسات المجتمع المدني والأفراد في الدول دوراً مهماً في إعداد مشاريع القوانين واللوائح ، وذلك بإبداء آرائهم فيها ، ويكون ذلك من خلال عدة وسائل منها الوسائل الإعلامية أو الإنترنت أو الاجتماعات أو ورش العمل أو المؤتمرات والندوات . ويحقق ذلك عدة مزايا أهمها ترسيخ مبدأ الشفافية والاستفادة مما يطرح قبل صدور التشريع ، والمساعدة في تقبل النظام من قبل المجتمع ، وقد أكد (90%) من عينة الدراسة أن محدودية دور مؤسسات المجتمع المدني والأفراد في صياغة الأنظمة واللوائح يعد أحد معوقات البيئة التشريعية. وقد اتضح من خلال الدراسة وجود عوائق تتصل بهذا الموضوع هي :
1. عدم وجود تنظيم وإجراءات واضحة ومحددة لمشاركة مؤسسات المجتمع المدني والأفراد في إبداء مقترحاتهم بشأن مشاريع الأنظمة واللوائح .
2. محدودية عدد مؤسسات المجتمع المدني في المملكة .
3. عدم توفر رؤى واضحة للتعامل مع الآراء والمقترحات التي ترد بشأن الأنظمة واللوائح .
4. عدم توفر الإمكانات لدى الجهات المعنية التي تساعد على تحليل الآراء والمقترحات التي تقدم بشأن الأنظمة واللوائح .
5. عدم توفر وسائل نشر مناسبة للتواصل مع الجمهور فيما يمكن أن ينشر من مشاريع التشريعات .
6. عدم توفر الرغبة الكافية لدى الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني في الإسهام في إعداد مشاريع الأنظمة واللوائح,لشعورهم بأن ما يبدونه من آراء لا ينعكس في المنتج النهائي للأنظمة.
سادساً : نشر التشريعات :
إن الالتزام بالتشريعات وضمان تطبيقها وتفعيلها يتطلب نشرها لضمان وصولها للجميع ، وهناك وسائل متعددة للنشر منها المطبوعات والمواقع الإلكترونية والوسائل الإعلامية. ورغم الجهود المبذولة في المملكة في نشر التشريعات سواء في الجريدة الرسمية أو المطبوعات من قبل الجهات المعنية في القطاع الحكومي أو الخاص، وكذلك النشر عن طريق الوسائل الإعلامية، والمواقع الإلكترونية فإنها غير كافية، ويرى (58%) من عينة الدراسة أن وسائل نشر الأنظمة غير كافية . وقد اتضح من خلال الدراسة وجود العديد من العوائق في هذا الجانب أبرزها ما يلي :
1. عدم تطوير الجريدة الرسمية (جريدة أم القرى) بالشكل الذي يتناسب مع أهميتها .
2. عدم توفر المطبوعات الرسمية لبعض الأنظمة.
3. عدم نشر بعض الجهات التنفيذية للوائح في مطبوعات رسمية .
4. عدم توفر مواقع إلكترونية لبعض الجهات الحكومية ، وعدم نشر الأنظمة واللوائح في بعض المواقع المتوفرة .
5. عدم توفير الإمكانات المناسبة ليقوم القطاع الخاص بدوره المطلوب في نشر الأنظمة واللوائح من خلال المطبوعات أو المواقع الإلكترونية .
تطوير البيئة القضائية
يأتي تطوير البيئة القضائية وإصلاحها في أولويات سياسات الدول ، وخططها للتنمية ، فضلاً عن أنه يلقى عناية خاصة في برامج الهيئات الدولية المعنية بالقضاء واستقلاله , وتبرز أهمية دراسة البيئة القضائية وضرورة تطويرها من خلال الارتباط الوثيق بينها وبين التنمية الاقتصادية. وتطرق هذا الفصل لبعض عناصر البيئة القضائية وسعى إلى التعرف على الوضع الراهن بخصوصها وتقييمها ومقارنة ذلك ببعض التجارب الدولية , وشمل ذلك : الجهاز القضائي ، والإجراءات القضائية ، والتنفيذ ، والتحكيم، وتقنية المعلومات ، وفيما يلي استعراض لأهم النتائج التي تم التوصل إليها :
أولا :الجهاز القضائي :
يأخذ القضاء السعودي بنظام القضاء المزدوج والمتمثل بالقضاء العام "المحاكم" , والقضاء الإداري "ديوان المظالم" , وقد لجأ المنظم لأسباب قد تكون مبررة في حينه إلى إحداث بعض اللجان ذات الاختصاص القضائي خارج إطار السلطة القضائية , وتم ضم بعضها إلى القضاء العام بصدور نظام القضاء الجديد بالمرسوم الملكي رقم 78/م وتاريخ 19/9/1428هـ , وقد اتضح من خلال الدراسة وجود بعض المعوقات في هذا الخصوص , ومنها :
1. تأخر الجهات المعنية في العمل على تعديل الأنظمة الإجرائية ومنها أنظمة المرافعات والإجراءات الجزائية وغيرها.
2. استمرار العجز في أعداد القضاة , وبالذات مع التوجه الأخير المتعلق بضم بعض الدوائر واللجان ذات الاختصاص القضائي للسلطة القضائية , وإنشاء محكمة عليا ومحاكم للاستئناف وربطها إداريا بالمجلس الأعلى للقضاء ومجلس القضاء الإداري.
3. عدم تفعيل جهاز التفتيش القضائي في الجهات القضائية وانعدامه في اللجان ذات الاختصاص القضائي .
4. وجود هدر في وقت العملية القضائية أدى إلى نقص في الوقت المخصص للنظر القضائي بنسبة ليست قليلة , وذلك بسبب تولي القضاة لأعمال توثيقية , أو أعمال إدارية يمكن أن يقوم بها غيرهم .
5. عدم كفاية القواعد المنظمة لأحكام الاختصاص القضائي .
6. القصور في الأخذ بالتخصص في النظر القضائي فهناك من القضايا ما يلزم تخصيصه بدوائر معينة كالقضايا العقارية.
7. عدم تفرغ أعضاء اللجان ذات الاختصاص القضائي – المرجأ ضمها - للعمل فيها .
8. لا توجد قوانين تحكم جميع الجوانب الموضوعية في الجهات واللجان ذات الاختصاص القضائي كافة , كما أن هناك قصورا بينا في عدم قيام أغلبها بنشر سوابقها ومبادئها القضائية.
9. لا يوجد هيئة للمحامين تعنى بشؤونهم وتقوم بتطوير المهنة والمحافظة عليها ، والارتقاء بدورهم في البيئة العدلية.
10. التأخر في حفظ الثروة العقارية إلكترونيا مما منع استرجاع المعلومات بسهولة . وهو الأمر الذي أضعف توظيف هذه السجلات العقارية في السوق الاستثمارية بطريقة تسمح ببيان عناصر الملاءة والائتمان للمتعاملين في السوق .
11. عدم تخصيص مكاتب لنظر القضايا تختلف عن المكاتب الخاصة بالقضاة.
ثانيا :إجراءات التقاضي :
تشكل الإجراءات عنصرا مهما من عناصر العملية القضائية من جهة كونها متطلبا للعملية أولا, وللهامش المفترض في إمكانية تعقيدها أو تسهيلها للعملية من جهة أخرى . ومما يؤكد أهمية هذه الإجراءات وحضورها في العقلية الاستثمارية الدولية أنها كانت محورا من محاور المفاوضات لتلبية شروط ومتطلبات عضوية المملكة لمنظمة التجارة العالمية . وفي استطلاع إحصائي لمنتدى الرياض الاقتصادي أفاد 85% من رجال الأعمال أن هناك صعوبة في توقع الإجراءات والأحكام القضائية . وقد خلصت الدراسة إلى رصد عدد من العوائق في هذا الجانب وكان أهمها :
1. قصور التنظيمات في الجهات القضائية المحكومة بأنظمة" وزارة العدل وديوان المظالم" عن تغطية كل أنواع القضايا كالإجراءات المتعلقة بحجج الاستحكام وبيع نصيب القصر والوقف أو الشراء لهما. كما أن بعضها يحتاج إلى تحديث لأحكامه وآلياته مثل نظام المحكمة التجارية . وبعضها يحتاج للإلغاء كما في نظام تركيز مسئوليات القضاء الشرعي .
2. عدم وجود أنظمة ولوائح تحكم الإجراءات في اللجان ذات الاختصاص القضائي المرجأ ضمها, وإن كان لبعضها إجراءات فهي صادرة بصيغة لا تكفي مما يعرضها للإبطال .
3. القصور الشديد في نشر الأنظمة واللوائح المتعلقة بالإجراءات .
ثالثا : تنفيذ الأحكام القضائية :
تجمع الدراسات المتخصصة على أن هناك علاقة طردية بين كفاءة العملية القضائية بعامة والتنفيذ بصفة خاصة وبين الاستثمار , وقد اتضح من خلال دراسة الوضع الحالي في المملكة وتقويمه أن هناك عدداً من المعوقات التي تواجه تنفيذ الأحكام في المملكة , وهي كالتالي :
1. أن الجهات المعنية بالتشريع لم تبادر باقتراح نظام متكامل بالعناصر الأساسية للتنفيذ, ويلاحظ أنه مع ما تضمنه نظام القضاء الجديد من إنشاء دوائر للتنفيذ وما تضمنه نظام المرافعات الشرعية من إصلاح في هذه البيئة إلا أنه يقف عاجزا عن تحقيق المراد لاسيما مع عدم إحداث قاض لتنفيذ الأحكام وتحديد اختصاصاته .
ومن جانب آخر لم تبادر الجهة التشريعية أيضا بتشريع صريح يجرم المماطلة في التنفيذ من قبل المدينين أو تعطيله وتأخيره من قبل الموظفين , كما لم تعمل على تشريع نظرية للتعويض توضح أركانها وأحكامها تستند على القواعد الشرعية .
2. أن ضعف اجتهادات القضاء أسهمت في عدم كفاءة بيئة التنفيذ , وتراجع القناعة بكفايته في تسليم الحقوق لأصحابها , وذلك بتأخره عن إعمال القواعد الكلية والمقاصد الشرعية في تحقيق العدالة في هذه الجزئية من خلال تطوير نظرية التعويض في الإطار العام لأحكام الشريعة الإسلامية , والتي لا يمكن أن تكون عاجزة عن معالجة هذا الخلل.
3. تتحمل الجهات التنفيذية وهي هنا وزارة الداخلية ووزارة العدل في جانبها التنفيذي مسئولية عدم وجود تنسيق كاف فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام , فنظام المرافعات الشرعية أسند بعض اختصاصات التنفيذ إلى وزارة الداخلية ممثلة بإمارات المناطق , والجزء الأكبر من التنفيذ على المحاكم , ومن المعلوم أن هناك تداخلا وتدافعا في الاختصاص وضعفاً في التنسيق بين الجهتين . ومع أن وزارة العدل قررت إنشاء أقسام للتنفيذ في المحاكم العامة إلا أنها لم تفعلها كثيرا ولم تعممها في كل المحاكم وبالذات المحاكم ذات الكثافة العالية .
رابعا : القضاء وتقنية المعلومات :
يعتبر قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات من القطاعات المهمة والمؤثرة في الاقتصاد والتنمية المستدامة , وبحثت الدراسة العلاقة بين القضاء ومكونات تقنية المعلومات بعناصرها المختلفة ؛ للتعرف على طبيعة العلاقة بينهما ، والعمل على تطويرها وتفعيلها لتكون من الروافد الداعمة للتنمية الاقتصادية ، وذلك في جانبين من جوانب هذه العلاقة , الجانب الأول إدخال وتفعيل التقنية في الإجراءات الإدارية في الجهات القضائية , ويمكن التعبير عن ذلك بـ:" ميكنة الأعمال القضائية " , والثاني : موقف القضاء من الاحتجاج بالمخرجات الإلكترونية، ومن المعوقات في هذا الإطار ما يلي :
1. التخوف غير المقبول من بعض الجهات القضائية , و بعض العاملين في السلك القضائي من مدى كفاية الضمانات في وسائط التقنية الإلكترونية لحفظ الحقوق ومنع الاختراقات .
2. تقصير الجهات المعنية - وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات- في التوعية والتثقيف من خلال المؤتمرات والمنتديات وورش العمل الموجهة للجهات القضائية والعاملين فيها في شرح ما يتعلق بالأنظمة ذات العلاقة , وعناصرها مثل التوقيع الإلكتروني والضمانات .
3. عدم وجود مواقع للجهات القضائية سوى وزارة العدل على الشبكة العنكبوتية " الإنترنت" .
4. التقصير الواضح من الجهات القضائية عموما في تفعيل وسائط التقنية الحديثة في التعاملات الإدارية .
5. استمرار المحاكم التابعة لوزارة العدل في إصدار الصكوك بخط اليد , ولا يخفى ما يكتنف ذلك من إشكالات ، وإعطاء انطباع غير جيد لدى العموم بالمستوى الذي عليه المحاكم في تعاملها مع هذه التقنية .
6. تأخر وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات في تفعيل المركز الوطني للتصديق الرقمي والذي يعد المحور الأساس في عملية التوقيع الإلكتروني.
7. تأخر إصدار اللائحة التنفيذية لنظام التعاملات الإلكترونية .
خامسا : التحكيم وأثره في التنمية الاقتصادية :
يعد التحكيم من الطرق البديلة لفض المنازعات خاصة التجارية منها. وتزداد أهميته في ظل تنوع النشاط التجاري وتعقده وتعدد الاتفاقيات الدولية , وفيما يتعلق بالمملكة فالاحتياج للتحكيم يزداد لكونه طريقا مفضلا لفض المنازعات لدى التجار بصفة عامة وللشركات الأجنبية بصفة خاصة , لاسيما أن المملكة تشهد نموا اقتصاديا غير مسبوق في السنوات الأخيرة وفقا للمؤشرات الاقتصادية , وقد استعرضت الدراسة إجراءات التحكيم في نظام التحكيم السعودي وتطبيقات ذلك لدى المحكمين والجهات المعنية بعملية التحكيم وسعت لتقييمها , وانتهت إلى رصد عدد من المعوقات وهي :
1. إخضاع قرارات التحكيم للطعن أمام الدوائر الابتدائية في الجهة القضائية المختصة أصلا بنظر النزاع, وإعطاء هذه الدوائر الابتدائية حق النظر في موضوع النزاع خلافاً للمتعارف عليه دوليا من حصر دورها في النظر في الاعتراضات الشكلية.
2. ضعف الاشتراطات المطلوبة في المحكمين.
3. إغفال النظام لتنظيم الإشراف على التحكيم من الجهة الإدارية بالدرجة الكافية لقيام المحكمين بمسئولياتهم على الوجه المطلوب بكفاءة وسرية عالية .
4. عدم وجود مراكز متخصصة للتحكيم مما أدى إلى تشتت هيئات التحكيم في مكاتب خاصة أو مكاتب المحامين أو في الغرف التجارية .
5. إجازة كون المحكم من خارج المسجلين بقوائم التحكيم, وهو توجه ضعيف ، حيث يسمح لمن لا يصلح بأن يتولي التحكيم.
6. التفاوت في تحديد بعض المفاهيم المؤثرة في صحة وحجية القرارات التحكيمية , مثل : النظام العام , وأحكام الشريعة الإسلامية التي لا يجوز مخالفتها.
7. ضعف الإلمام بفقه التحكيم من قبل المختصين من قضاة ومحامين ومحكمين.
تأهيل وتدريب منسوبي البيئة العدلية
تضمن هذا الفصل تقييماً للجوانب المختلفة المتعلقة برفع كفاءة كوادر الجهازين التشريعي والقضائي والمحامين والمستشارين القانونيين (الشرعيين والنظاميين) في الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص ، باعتبار أن ذلك هو الأساس والقاعدة لحسن قيام هذه الفئة بمهامها ، وتحديد المعوقات والصعوبات المتصلة بها وتقديم مقترحات لحلها ، وقد تم ذلك من خلال دراسة أهمية التأهيل الأكاديمي والمهني والتدريب والتطوير المستمر للكوادر التي تسهم في البيئة التشريعية والقضائية ، وأوجه القصور فيه ، وآليات تطويره ، واستعراض التعليم الأكاديمي الذي يوفر للعاملين في المجالين التشريعي والقضائي ومعوقاته.
وقد اتضح من خلال العرض والتحليل لتأهيل وتدريب العاملين في البيئة العدلية ، ومن خلال نتائج الدراسة المسحية ، ونتائج المقابلات التي أُجريت مع بعض أفراد عينة الدراسة من المختصين في الأجهزة الحكومية كالقضاة ، ورؤساء وأعضاء اللجان الإدارية ذات الاختصاص القضائي ، والمحامين ، ورجال وسيدات الأعمال ، والمستشارين الشرعيين والقانونيين في القطاعين العام والخاص مجموعة من النتائج والاستنتاجات ، تتمثل بالنقاط التالية :
1. اتضح من خلال دراسة واقع التعليم القانوني (الشرعي والنظامي ) في المملكة من حيث هيكلته ومؤسساته والمناهج والخطط الدراسية المعمول بها في هذه المؤسسات ومخرجاتها والوظائف المتاحة لخريجي هذه المؤسسات وجود تشتت ملموس فيه ليس في مؤسساته فقط بل في مضمونه أيضاً ، إضافة إلى عدم التوافق الظاهر بين برامج هذه المؤسسات وخططها الدراسية من جهة والواقع والتطورات والمستجدات المحلية والدولية من جهة أخرى ، الأمر الذي له آثاره السلبية ليس فقط على العاملين في البيئة العدلية بل على المجتمع بأسره وعلى التنمية الاقتصادية كذلك ، وذلك نظراً لدور العاملين في البيئة العدلية والارتباط المباشر لوظائفهم إما بإعداد وصياغة وتفسير الأنظمة واللوائح التي تنظم شؤون المجتمع ، وإما لارتباطها بالفصل فيما قد ينشأ في المجتمع من منازعات وجرائم.
فبينما توجد مؤسسات تعليمية هي : ( كليات الشريعة) تخرج متخصصين ملمين فقط بالشريعة الإسلامية ، نجد أن هناك مؤسسات تعليمية هي : ( أقسام الأنظمة) تخرج متخصصين ملمين فقط بالأنظمة مع إلمام بسيط ببعض الجوانب الشرعية اليسيرة ، كما أن هناك مؤسسات تعليمية هي : (المعهد العالي للقضاء "شعبة الأنظمة في قسم السياسة الشرعية ، ومعهد الإدارة العامة "دبلوم دراسات الأنظمة" ، وجامعة أم القرى "برنامج القضاء" ، وكلية الشريعة في جامعة الملك خالد في أبها "برنامج ماجستير الأنظمة") تخرج متخصصين ملمين بالأنظمة لمن لديهم إلمام بالشريعة الإسلامية.
2. إن من أهم الآثار المترتبة على تشتت التعليم القانوني ( شرعي ونظامي) ازدواجية الوظائف القانونية خاصة في أجهزة الدولة. فعلى الرغم من اختلاف مؤهلات وخبرات هذه الفئات الوظيفية، إلا أن الغريب في الأمر أن مهام هذه الوظائف متماثلة ، وهذا التماثل في المهام يجعل الكثير من أجهزة الدولة عند حاجتها لشغل أي من هذه الوظائف تطلب عند الإعلان عنها أن يكون المتقدم إما حاصلاً على شهادة في الشريعة أو شهادة في ( القانون) الأنظمة، وهو أمر ربما يعطي نوعا من الإيحاء أنه لا يوجد فرق بين دراسة الشريعة ودراسة القانون ، وأنهما متماثلتان.
3. إن المناهج والخطط الدراسية المتبعة في كليات الشريعة والمعهد العالي للقضاء - وعلى الرغم من أنها تعد الجهات الأكاديمية المتخصصة في إعداد كوادر المؤسسات القضائية وجزء من العاملين في البيئة التشريعية بما فيها الإدارات القانونية في أجهزة السلطة التنفيذية – لا تواكب التطورات والمستجدات القانونية في المملكة ، فضلاً عن أنها لا تعير اهتمام للأنظمة التي تتصل بشكل مباشر بالعملية القضائية والتي من أبرزها الأنظمة العدلية الثلاثة (نظام المرافعات الشرعية ، ونظام الإجراءات الجزائية ، ونظام المحاماة)، وهي أنظمة أصبحت حاضرة أمام الجهات القضائية بخلاف ما كان عليه الأمر في فترة من الفترات ، فليس لهذه لأنظمة أي نصيب في المناهج والخطط الدراسية المتبعة في هذه المؤسسات التعليمية ، الأمر الذي يمكن القول معه بوجود فجوة كبيرة بين ما يدرس في كليات الشريعة ليس فقط مع التطورات والمستجدات الحاصلة دوليًا ، بل مع الواقع والتطورات والمستجدات الحاصلة محليًا.
4. ضعف وقلة المواد الشرعية المطلوبة في الخطط الدراسية والمناهج المتبعة في أقسام الأنظمة ، إذ يوجد ضمن منهجية الدراسة بعض المواد الشرعية البسيطة والتي تتعلق بالأحوال الشخصية ، وأصول الفقه ، والقواعد الفقهية، وأحكام الوصايا والمواريث، وهي قليلة نسبيا إذا ما قورنت بما يحصل عليه الدارس في كليات الشريعة من مواد شرعية متعمقة. كما يلاحظ عدم مواكبة الخطط والمناهج الدراسية لأقسام الأنظمة للواقع والتطورات والمستجدات المحلية والدولية خاصة المتعلقة بالجوانب الاقتصادية ، إضافة إلى انعدام التدريب العملي في هذه الأقسام.
5. أن المعهد العالي للقضاء لا يعتبر جزءاً من الجهاز القضائي ، بل هو مرتبط بجهة أكاديمية ، ولا يدخل في تكوينه عناصر من الهيئات القضائية وهذا بخلاف ما هو معمول به في معظم الدول.
6. انعدام تأهيل القضاة في الأنظمة ، وضعفه في حالة حصوله وذلك بسبب أن تفريغ الملازم القضائي للدراسة في المعهد العالي ل

