تطوير إدارة الفوائض المالية وأساليب توظيفها »
الملخص التنفيذي لدراسة :
تطوير إدارة الفوائض المالية وأساليب توظيفها
مقدمة :
اتسمت اقتصاديات الدول المنتجة والمصدرة للنفط ، واقتصاد المملكة العربية السعودية أحدها، بالاعتماد شبه المطلق على إيراداتها النفطية ، في تمويل إنفاقها الجاري وبرامجها الاستثمارية . ونتيجة للتقلبات الدورية التي تشهدها أسواق النفط العالمية ورغبة هذه الدول في المحافظة على حجم إنفاقها الجاري ومتابعة تنفيذ برامجها التنموية تضطر للاقتراض عند تدني أسعار النفط, مما يؤدي إلي تضخم الدين العام ، بينما تتوفر لديها فوائض مالية ضخمه عند ارتفاع أسعار النفط العالمية.
وبما أن المملكة تعتبر أكبر مصدر للنفط في العالم, فقد شهد اقتصادها طفرة تنموية ضخمه, نتيجة للزيادة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط خلال عقد السبعينات من القرن الماضي, كما تكونت لديها فوائض مالية ضخمه نتيجة لذلك، ومن جهة أخرى شهد الاقتصاد السعودي ركودا خلال عقد الثمانينات نتيجة للانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار النفط أدى إلى وصول الدين العام في المملكة إلى مستويات غير مسبوقة مما أثر سلبا على تنفيذ بعض البرامج التنموية، وبعد الزيادة التي شهدتها أسعار النفط في السنوات الأخيرة والتي وصلت إلى أرقام قياسية بدأت تتكون لدي المملكة منذ العام 2003م فوائض نقدية بأحجام كبيره مما أثار التساؤل عن الكيفية التي يمكن بموجبها إدارة هذه الفوائض, وكيفيه التخلص مما رافق توظيف الفوائض خلال عقد السبعينات من سلبيات.
وبما أن المملكة اكتسبت خبرات واسعة في إدارة اقتصادها, كما نضج القطاع الوطني وتعاظم دوره كشريك حقيقي فى التنمية الاقتصادية, فقد استلزم الأمر البحث عن افضل السبل لتوظيف هذه الفوائض, وتعظيم العائد منها وذلك وفق استراتيجية يشارك في صياغتها شرائح المجتمع كافة.
ومن هنا برزت أهمية بحث هذا الموضوع ضمن دراسات منتدى الرياض الاقتصادي فى دورته الثالثة باعتباره أحد أهم العوامل المؤدية إلى تحقيق التنمية المستدامه.
مشكلة الدراسة :
تراكمت لدى المملكة خلال السنوات التي تلت عام 2003م فوائض مالية كبيرة, نتيجة التفاضل بين الإيرادات الوفيرة التي نجمت عن زيادة الإيرادات البترولية وبين النفقات المقدرة في الميزانيات العامة, الأمر الذي يوجب البحث عن أفضل السبل لتنمية هذه الفوائض, ويتطلب ذلك تحديد رؤية مستقبلية واضحة لكيفية توظيفها أو من حيث تعيين المجالات التي يترتب استثمارها فيها ، وكذلك إعادة النظر في الجهات العامة المكلفة حالياً بتوظيف هذه الفوائض وتقييمها وهيكلة مهامها، والسعي للاستفادة في هذه المجالات من تجارب الدول الأخرى بما يتلاءم مع ظروف واحتياجات المملكة لتحقيق مزيد من الكفاءة في استخدام هذه الفوائض وبما يخدم بشكل أفضل تطور الاقتصاد والمجتمع في المملكة العربية السعودية .
أهدف الدراسة :
وفقاً لهذا المنطلق تتمثل أهداف الدراسة في ما يلي :
1- تحديد أفضل السبل لتطوير أساليب إدارة الفوائض المالية واستثمارها.
2- اقتراح الآليات المناسبة لهذا الاستثمار وبما يدعم استقرار الميزانية العامة للدولة .
منهجية الدراسة :
تنتهج الدراسة الحالية كلاً من المنهج التاريخي المقارن، والمنهج الوصفي ، وكذلك المنهج الاستقرائي في البحث المكتبي، وأسلوب الاستبيان لمرئيات الخبراء في الدراسة الميدانية .فقد أعد فريق الدراسة استبانه وزعت على عدد من رجال الأعمال ومسئولي بعض الجهات العامة ذات العلاقة وعلى المفكرين والاقتصاديين وأساتذة الجامعات ، هدفت إلى استشراف مواقفهم من بعض الاقتراحات التي توصل لها الفريق, كما قام الفريق بإجراء مقابلات شخصية مع عدد كبير من رجال الأعمال ومن أساتذة الجامعات والمختصين والمسؤولين في الشأن الاقتصادي العام، ممن يتوخى فيهم القدرة على إثراء البحث وتزويد الفريق بآراء وتوجهات وملاحظات كان لها فضل كبير في تطوير الدراسة واثرائها, وقد ناهز عدد هؤلاء 70 شخصية .
تم استعراض نتائج كل مرحلة من مراحل الدراسة من خلال حلقات نقاش قامت أمانة منتدى الرياض الاقتصادي بتنظيمها ضمت مجموعة كبيرة من المتخصصين في الشأن الاقتصادي العام من مسؤولين حكوميين وأساتذة جامعات ورجال أعمال وسيدات أعمال.
كم تم استعراض عدد من تجارب وخبرات عدد من الدول الأخرى ، ولاسيما تلك التي تتماثل مع المملكة في هيكل اقتصادها أو في توفر الفوائض المالية لديها ، و كيفية تعاملها مع ما ينشأ لديها من فوائض مالية عامة وهذه الدول هي النرويج، الكويت، أبوظبي، ماليزيا والصين الشعبية، وقام عدد من أعضاء هذا الفريق الذي أعد هذه الدراسة بزيارة إلى سنغافورة اطلع فيها ميدانياً على تجربة هذه الدولة محط اهتمام جهات عالمية عديدة والتقى مطولاً بمسئولي الشركات الحكومية المكلفة بإدارة الفوائض المالية فيها ، وتمت الاستفادة من العديد من الجوانب الإيجابية التي تحققت في هذه التجارب عند محاولة اقتراح سبل لتطوير أساليب إدارة وتوظيف الفوائض المالية في المملكة .
محتويات الدراسة :
تتوزع الدراسة في أربعة أبواب :
أ- يتناول الباب الأول الميزانية العامة للدولة في المملكة باعتبارها المصدر الأساسي للفوائض المالية العامة .
ب- يتناول الباب الثاني تقييم الآليات المستخدمة في استثمار الفوائض المالية العامة (الحكومية) .
ج- يستعرض الباب الثالث بعض التجارب في استغلال الفوائض المالية .
د- يقترح الباب الرابع منهجية متكاملة لتحسين إدارة هذه الفوائض وتنميتها.
وتشتمل الدراسة في نهايتها على ملحق يتضمن الجداول الإحصائية المفصلة التي استند عليها الفريق الباحث في إعداد بعض جوانب الدراسة .
تحليل الوضع الراهن للفوائض المالية:
1- الفوائض المالية إحدى نتائج الميزانية العامة للدولة ، تظهر إذا زادت الإيرادات المقدرة على النفقات المقدرة أو زادت الإيرادات الفعلية على النفقات الفعلية, أو كانت الإيرادات الفعلية أكبر من الإيرادات المقدرة أو كان الإنفاق الفعلي أقل من الإنفاق المقدر, من هنا كان لابد من الوقوف أولاً عند الأداة الرئيسة للمالية العامة في الدولة أي الميزانية العامة للمملكة واستعراض تطورها التاريخي وسماتها العامة :
1-1 تقلبت مستويات الإيرادات من فترة لأخرى ، فبينما نمت عاماً بعد آخر بدء من عام 1973م لتصل إلى أعلى مستوياتها عند عام 1981م (368 مليار ريال) تناقصت حتى وصلت عام 1986م إلى (76.5 مليار ريال) ثم عادت لتشهد زيادات مطردة بدءاً من عام 2003م متى بلغت 673 مليار ريال عام 2006م .
1-2 تعتمد الميزانية على الإيرادات النفطية إذ تشكل الإيرادات الناشئة عن بيع البترول النسبة العظمى من الإيرادات الحكومية ، إذ شكلت نسبة تراوحت بين 94.1% عام 1974م و55.5% عام 1986م وتأرجحت بين (70%) إلى( 90% )على مدى السنوات الباقية ، ولم تشكل الإيرادات غير النفطية سوى نسب متواضعة تتدنى إلى حدود ما بين ( 5% ) إلى (20%) .
1-3 تتسم الميزانية العامة السعودية بالتقلب وعدم الاستقرار نتيجة تقلب أسعار النفط المصدر وكمياته. هذا الارتفاع والهبوط يقود المسؤول والمواطن سوية إلى التشكك بأرقام الميزانية والميل إلى الظن أنها متحفظة جداً وأن الإيرادات ستكون أعلى عن ما هو مقدر وربما إلى الشك أن الميزانية ربما لا يمكن تنفيذها .
1-4 تتسم الميزانية العامة كذلك بالتفاوت بين الإيرادات المقدرة والإيرادات الفعلية إذ بلغت جملة الانحرافات (الإيجابية والسلبية معاً) للإيرادات الفعلية عن المقدرة ما مجموعه (1.5)تريليون ريال في (26) سنة (1981-2006م) ويصل الانحراف في بعض السنوات إلى نسب غير عادية إذ وصل الانحراف الإيجابي بين عامي (2005 و2006م) إلى حوالي 100% ، مما جعل الميزانية العامة تتسم بدرجة كبيرة من عدم الثقة والإرباك في التنفيذ .
1-5 تلتزم الميزانية العامة بقدر من اعتمادات النفقات غير المقيدة بحجم الإيرادات لتلبية متطلبات النمو الاقتصادي والاجتماعي الأمر الذي يعني تمويل النفقات بالعجز. وقد بدأ هذا الأسلوب عام 1983م واستمر (20) عاماً ولم يتوقف إلا عام 2002م ، تحملت الميزانية خلالها عجوزات بلغ مجموعها 896.3 مليار ريال بمتوسط سنوى 44.8 مليار ريال وبنسبة 22.3% من مجمل الإنفاق على مدى 20 عاماً .
1-6 يشكل الإنفاق الجاري الجانب الأكبر من الإنفاق في الميزانية العامة ويتصاعد عاماً بعد آخر, ولا يشكل الإنفاق الرأسمالي سوى قدر متواضع، فخلال (13) ميزانية (1993-2005م) بلغت نسبة الإنفاق الجاري 89.5% والإنفاق الرأسمالي 10.5% وبالتالي استنزف الإنفاق الجاري الفعلي (86%) من إجمالي الإيرادات الفعلية وانخفضت هذه النسبة خلال الفترة من 2000 إلى 2005م إلى (72%) .
1-7 تكتسب الميزانية العامة في المملكة أهمية استثنائية وتحظى باهتمام بالغ من كل الجهات الحكومية ومن المواطنين لما تتضمنه من طاقة تمويلية للخدمات والمشاريع ولأن الإنفاق الحكومي هو المحرك والأساس للنمو الاقتصادي في المملكة ولسلسة من الانعكاسات الاقتصادية اللاحقة(1) :
أ- يمثل الإنفاق الحكومي أداة تنشيط رئيسية للدورة الاقتصادية . إذ شكل بدءاً من عام 1975م وحتى عام 1992م نسبة تتراوح بين (40%) إلى (50%) من الناتج المحلى الإجمالي ثم هبطت هذه النسبة اعتباراً من عام 1993م وحتى عام 1999م لتتراوح بين (30%) و (37%) واستقرت عند (30%) إلى (31%) خلال الفترة من (2000 إلى 2006م).
ب- ترتبط القدرة على تنفيذ خطط التنمية بالميزانية العامة إذ أسفرت خطط التنمية الثلاث الأولى (1970-1984م) عن معدلات نمو عالية في الناتج المحلي الإجمالي بسبب وفرة الإيرادات المدرجة في الميزانيات العامة, وشهدت خطط التنمية من الرابعة إلى السابعة (1985-2004م) معدلات نمو أقل كثيراً بلغ متوسطها (41%) بسبب انخفاض الإيرادات النفطية, وتغير هذا الوضع بشكل كبير اعتباراً من عام 2003م حيث زادت الإيرادات النفطية بنسبة كبيرة مما سهل ويسهل من تنفيذ أهداف الخطة الثامنة (اعتباراً من عام 2005م).
ج- تلعب الميزانية العامة بسبب ضخامة تأثيرها على الناتج المحلي الإجمالي دوراً بالغ الأهمية في مستوى دخل الفرد في المملكة وتحدث تقلباً في حصة الفرد منه صعوداً وهبوطاً وبنسب عالية .
د- يشكل الإنفاق الحكومي أحد مصادر تكوين رأس المال الثابت الإجمالي (الوطني) ، في حين تشكل السلع الرأسمالية الحكومية نسبة (50%) من رأس المال الثابت تنخفض في بعض السنوات إلى نسبة تتراوح بين (10%) إلى (20%) منه .
1-8 شهدت المملكة اعتباراً من عام 1973م عدداً من التقلبات في ميزانيتها العامة بين فائض وعجز :
أ- تمتد حقبة الميزانيات ذات الفائض التي أعقبت زيادة أسعار البترول (1973م) باستثناء (4) سنوات (1973-1976م) ثم انخفضت الإيرادات عن مستوى النفقات عامي(1977-1978) لتظهر للمرة الأولى ميزانيات تزيد فيها المصروفات عن الإيرادات الفعلية ثم عادت أسعار البترول مرة ثانية إلى الارتفاع اعتباراً من عام 1979م لتشهد الفترة من (1979 إلى 1982م) ميزانيات تزيد فيها الإيرادات الفعلية عن المصروفات الفعلية ثم دخلت المملكة نتيجة تدهور أسعار البترول ثانية حقبة سلبية أخرى طويلة لفترة (20) سنة (1983-2002م) عادت بعدها أسعار البترول للارتفاع مرة أخرى وبشكل قوي اعتباراً من عام 2003م .
ب- بناء على ما سبق يمكن القول أنه اعتباراً من عام 1973م حتى نهاية عام 2006م بلغ العجز في الميزانيات العامة الفعلية ما مجموعه 897.4 مليار ريال على مدى عشرين ميزانية بمعدل 44.9 مليار ريال سنوى ، في حين بلغ الفائض المتحقق خلال نفس الفترة 1012.9 مليار ريال على مدى (13) ميزانية بمعدل سنوي (77.9) مليار ريال .
ج- يشكل الدين العام أبرز نتائج الاختلال بين الإيرادات والمصروفات الفعلية وقد تطور هذا الدين ليصل إلى مستويات بالغة الخطورة حيث سجل أعلى مستوى له عام 2001م إذ شكل مـا يعادل (93.7%) من الناتج المحلي الإجمالي وقد وجه بدءاً من عام 2003 جزء من فوائض الميزانية لسداد الدين العام ليصل في نهاية عام 2006م إلى أدنى مستوياته أي إلى المستوى 366 مليار ريال وبنسبة (28%) فقط من الناتج المحلي الإجمالي .
د- عاود مصطلح الفوائض المالية الظهور و التداول بعد تنفيذ ميزانية عام 2004م وما ظهر فيها من زيادة الإيرادات الفعلية على المصروفات الفعلية بفارق بلغ 107.1 مليار ريال. كما بلغ هذا الفائض 217.9 مليار ريال عام 2005م ووصل أعلى مستوى له حتى الآن في ميزانية عام 2006م بمبلغ 280 مليار ريال وهكذا بلغت فوائض السنوات (2003-2006م) الفعلية مجتمعة مبلغ 650.7 مليار ريال .
2- يقوم بإدارة الأموال العامة بشكل عام وتوظيف الفوائض المالية الناتجة عن زيادة إيرادات الميزانية العامة عن نفقاتها عدد من الجهات العامة يقوم كل منها بدور يختلف عن دور الجهة الأخرى :
2-1 تعد وزارة المالية الركن الأساسي في منظومة آليات استخدام الموارد المالية وتنميتها, وساهمت وزارة المالية بدور فعال في رسم معالم الاقتصاد السعودي المالي بتدبير الموارد المالية اللازمة وتوجيهها نحو مجالات الإنفاق والاستخدام المرغوبة وفقاً لمتطلبات كل مرحلة ، وفي تمويل خطط التنمية المتوالية على الرغم مما شهدته بعض السنوات من تقلبات حادة في أسعار النفط, وعمدت الوزارة إلى استخدام آلية التمويل بالعجز من مصادر حقيقية تجنباً للضغوط التضخمية وتعويضاً للنقص الحادث في العوائد النفطية, وعندما تحققت فوائض في الميزانية عمدت إلى سداد جزء من الدين العام وتخفيض نسبته إلى الناتج المحلى الإجمالي وإلى رفع رؤوس أموال عدد من مؤسسات الإقراض المتخصصة ودعم الاحتياطي الرسمي للدولة .
2-2 تقوم مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) بدور المصرف المركزي للمملكة ، وقد قامت بالاهتمام بإيجاد نظام مصرفي وطني مرن يرقى إلى المستوى العالمي ، ووضع الأنظمة المصرفية الحصيفة واحتواء الضغوط التضخمية في الاقتصاد السعودي المنتعش وإدارة الدين العام والسيولة النقدية في البلاد . واستخدمت المؤسسة في سبيل ذلك العديد من الأدوات التقليدية غير المباشرة لتوفير البيئة الصحية للقطاعات المصرفية, كما اضطلعت المؤسسة منذ السبعينات بمهمة إدارة الموارد الضخمة للدولة والدخول بصورة تدريجية في مجال الاستثمار, وفي هذا السياق ميزت مؤسسة النقد في إدارتها للاحتياطي بين متطلبات الخزينة واستثمار الأموال الفائضة, ونظراً لوجود علاقة عكسية بين ارتفاع العوائد ودرجة الأمان وسرعة التسييل ركزت المؤسسة على عنصر الأمان والسيولة بالدرجة الأولى ثم العائد المعدل حسب المخاطر, أي أن عامل الاحتياط والتحفظ هو الغالب على محافظ الاستثمار التي تديرها المؤسسة .
2-3 نظراً لضرورة إنشاء مؤسسة مالية متخصصة لإدارة الاستثمارات الحكومية تنتقل من خلالها المخصصات الاستثمارية المدرجة بالميزانية العامة للدولة إلى المشروعات والمؤسسات العامة تم عام 1971م إنشاء صندوق الاستثمارات العامة لتمويل الاستثمار الحكومي في المشاريع الإنتاجية ذات الطابع التجاري سواء كانت تابعة للحكومة أو لمؤسسات الإقراض المرتبطة بها أو المؤسسات العامة، وسواء كانت هذه المشاريع تنفذ من خلال القطاع الخاص أو عن طريق مشاركة الجهات الإدارية الحكومية للقطاع الخاص, وقد بلغت قيمة القروض التي ضخها الصندوق منذ إنشائه وحتى عام 2005م نحو 71.8 مليار ريال غطت مجالات شتى (مثل مصافي التكرير المحلية، ومستودعات التخزين للمنتجات البترولية وخطوط أنابيب توزيع الزيت الخام، ومصافي التصدير، ومصانع الحديد والصلب والأسمدة والبتروكيماويات ، وشراء طائرات الخطوط السعودية, ومشاريع المشاعر المقدسة، ومرافق الكهرباء والمياه بالجبيل وينبع) ، كما بلغت قيمة مساهماته في رؤوس أموال الشركات نحو (17) مليار ريال في نهاية عام 1420/1421هـ ويساهم باسم الحكومة في (17) شركة عربية بمساهمات بلغت حوالي (9.2) مليار ريال.
هكذا يشكل صندوق الاستثمارات العامة الجهاز الاستثماري الثاني بيد الدولة في تمويل المشاريع ذات الإنتاج المادي أو الخدمي .
أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة:
1- أهم إيجابيات سياسة استخدام الفوائض المالية :
أ- وجه جانب كبير من الفوائض لإصلاح اختلال اقتصادي بارز يتمثل بالدين العام الذي اضطرت الدوائر المالية للدولة للجوء إلية حيث استخدم جزء من الفوائض في خفض مستوى سداد الدين العام وازاحته وتوالى هذا الخفض عدة سنوات حتى وصل إلى مستوى مأمون لا يتجاوز 28% من الناتج المحلي الاجمالي .
ب- وجه جانب آخر من الفوائض لدعم الصناديق المتخصصة وبشكل خاص صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية العقارية وصندوق التنمية الصناعية لتمكينها من زيادة رؤوس أموالها وتقديم المزيد من الخدمات التمويلية للمنشآت الإنتاجية والخدمية .
2- أهم سلبيات استخدام الفوائض المالية :
أ- غياب المفهوم المحدد للفوائض المالية, إذ لم يوضع أي تعريف أو قاعدة أو حتى إجراء محدد تسير عليه وزارة المالية في التعامل مع الفوائض وظل الفائض مجرد الفرق بين الإيرادات الفعلية والنفقات الفعلية حيث ترافق ذلك مع تعاظم الإنفاق الجاري عاماً بعد آخر محققاً زيادة بمقدار (43%) في الفترة من عام 2000 إلى عام 2005م عن الفترة (1993-1999م) مستنفذاً نسبة 76,25% من إجمالي نفقات الميزانية و76.84% من الإيرادات النفطية بحيث لم يترك الإنفاق الجاري سوى 23.84% من الإيرادات النفطية لكل من الإنفاق الرأسمالي والفوائض المالية مجتمعين .
ب- لا نجد أي طريقة محددة لاحتساب أو تقدير الفائض كما لا تتوفر قواعد تلزم مثلاً أن لا يتجاوز الإنفاق الجاري ضعف أو ضعفي الإيراد غير النفطي أو لا يتجاوز الإنفاق الجاري نسبة محددة من الإيرادات النفطية أو أن تكون هناك قاعدة تحول نسبة محددة من الإيرادات النفطية للإنفاق الرأسمالي لتمويل المشاريع أو أن تعامل كفوائض مالية .
ج- تقوم وزارة المالية بتوظيف الجانب الأعظم من هذه الفوائض عن طريق مؤسسة النقد وصندوق الاستثمارات العامة ليقوما باستثمارها.
د- تستثمر معظم الفوائض المالية المتاحة الموضوعة تحت تصرف مؤسسة النقد في ودائع في بنوك خارجية أو شراء أوراق مالية خارجية, وهناك مؤشرات أن معظم الدول التي تستثمر فوائضها في مثل هذه الاستثمارات وخصوصاً سندات الخزينة الأمريكية إلى تدني العائد من هذه الاستثمارات بحيث تتراوح بين (3%) و(5%) هذا عدا ضعف الآثار الإيجابية للاستثمارات الخارجية في الاقتصاد السعودي .
ه- غياب الاستراتيجية الواضحة المحددة للتعامل مع الإيرادات النفطية والإيرادات غير النفطية وللتعامل مع الإنفاق الجاري والرأسمالي وبقاء الفوائض المالية حصيلة لما يفيض من الإيراد الفعلي عن الإنفاق الفعلي دون أي اعتبار آخر .
التجارب الناجحة لبعض الدول:
يشكل الاطلاع على تجارب الدول الأخرى والوقوف عندها وتحليلها والاستفادة منها أحد أساليب إثراء أي بحث ومقارنة ما هو سائد في البلد مع ما هو ناجح في البلدان الأخرى ، مع ملاحظة أن دراسة تجربة أي دولة مهما كانت ناجحة لا يمكن تقليدها حرفياً على أن ذلك لا يقف حائلاً دون الاستفادة من التجربة الناجحة . من هنا يشمل الباب الثالث من هذه الدراسة اصطفاء عدد من تجارب الدول الناجحة ليتم الاستفادة منها عند صياغة أسلوب إدارة الفوائض المالية وتوظيفها في المملكة .
1. ظهر مصطلح "صندوق الأجيال القادمة" (Future Generation Fund) في الكويت قبل عشرين سنة معبراً عن قلق المسؤولين والمواطنين من المستقبل في حال تراجع الإيرادات النفطية والكيفية التي يمكن من خلالها حينذاك استمرار مستويات الدخل المرتفع والرفاهية, و تم صياغة مشروع استراتيجي يقوم على حجز نسبة 10% من الإيرادات النفطية وتحويلها لحساب صندوق الأجيال القادمة حيث تراكمت فيه أموال جرى استثمارها من خلال مساهمات في بعض الشركات الصناعية في الدول الأوروبية وشراء بعض الممتلكات العقارية معظمها في الخارج, كذلك قام الصندوق بتمويل حكومة الكويت أثناء وجودها في الخارج خلال فترة احتلال الكويت (تتراوح تقديرات مديونية حكومة الكويت للصندوق ما بين (17) إلى (42) مليار دينار كويتي) . و يؤخذ على أسلوب استثمار صندوق الأجيال القادمة ما يؤخذ على أسلوب استثمار الفوائض في أوراق مالية أو ودائع مصرفية أو شراء أسهم بهدف العائد فقط, إذ يقل أو يكاد ينعدم دوره في تطوير قطاعات الاقتصاد المحلية الإنتاجية أو الخدمية .
2. تعتبر أمارة أبو ظبي أول من قام بإنشاء هيئة أو صندوق أو جهاز حكومي يقوم باستثمار ما يتوفر لديها من أموال عامة فائضة عن حاجتها للإنفاق الجاري في استثمارات غير الاستثمارات التقليدية (إيداع الأموال الفائضة في البنوك أو شراء الذهب) حيث عمدت حكومة الأمارة إلى استحداث جهاز استثماري سمي بجهاز أبو ظبي للاستثمار يملك أصولاً تتراوح تقديرات قيمتها بين (300) مليار دولار إلى (500) مليار دولار وبذلك يعتبر هذا الجهاز ثاني أكبر مستثمر في العالم بعد بنك اليابان . ورغم عدم توفر معلومات منشورة عن الصندوق يقدر المتتبعون لنشاطاته أن الصندوق يميل إلى تملك الأصول في الشركات العالمية الإنتاجية والمالية وإلى شراء العقارات المدرة للدخل بالإضافة إلى نسبة من الاستثمارات المالية في شراء الأسهم والسندات ، وقامت إمارة أبو ظبي عام 2002م بإنشاء شركة مبادلة للتنمية كشركة مساهمة تعمل وفق نظام شركات أبو ظبي حيث تملك حكومة أبو ظبي كامل رأسمالها وتعمل وفق طرق الاستثمار الخاص وأساليب الاستثمار التجاري . وتقوم شركة مبادلة بإنشاء وتأسيس الشركات وحيازة حصص في المؤسسات والشركات في أي مجال داخل دولة الإمارات أو خارجها, كما تملك استثمارات في العديد من المشاريع .
3. أنشأت النرويج صندوقاً أطلقت عليه اسم صندوق بترول النرويج عام 1990م مدفوعة بتصاعد مستويات الدين العام ومعدلات التضخم و يميل الصندوق غالباً نحو الأسهم والسندات المالية كما يميل نحو التحفظ في الاستثمار من خلال اختيار الاستثمارات ذات المخاطر المتدنية والبعد عن الاستثمارات ذات المخاطر العالية . وخضع الصندوق عام 2005م إلى إعادة هيكلة تم بموجبها دمجه مع صندوق حكومة النرويج للمعاشات الذي يعتبر أحد أكبر صناديق التقاعد والمعاشات في العالم بموجودات تبلغ (160) مليار يورو يتوقع أن تكونوصلت إلى (183) مليار يورو في نهاية عام 2006م وهو ما يعني وجود مبلغ 35,793 يورو لكل مواطن نرويجي من الصندوق .
4. أسست حكومة سنغافورة شركة باسم شركة حكومة سنغافورة للاستثمارات الخاصة المحدودة GIC كشركة إدارة استثمارات في عام 1981م لإدارة احتياطيات دولة سنغافورة واستثماراتها المالية في الخارج في شراء حقوق ملكية Equities ومصادر للدخل الثابت وفي الوسائل المتداولة في أسواق المال وفي العقارات والاستثمارات الخاصة, وتزيد قيمة استثمارات GIC عن (65) مليار دولار أمريكي، كما أسست حكومة سنغافورة كذلك شركة عامة في عام 1974م باسم تيماسك القابضة (Temasek Holding) تعتبر أحد أنجح الأجهزة الاستثمارية في العالم ، وتخضع تيماسك لنظام شركات سنغافورة وتملك الدولة كل رأسمالها, بلغت قيمة المحفظة الاستثمارية التي تديرها تيماسك (80) مليار دولار أمريكي بتاريخ 31/3/2006م, وتستثمر تيماسك في العديد من القطاعات وتسعى للاحتفاظ بمحفظة متوازنة مالياً وجغرافياً ومن حيث السيولة Liquidity . وتسير الشركة على قاعدة طرح تكلفة رأس المال الحدية من العائد وإضافة فرق القيمة السوقية للوصول إلى ما يسمى بمفهوم الثروة المضافة Wealth Added كنتيجة لجهودها . واستطاعت تيماسك أن تحقق أرباحاً منذ تأسيس الشركة حتى الآن بنسبة (17%) سنوياً, وتخضع تيماسك نفسها لدرجة عالية من الشفافية إذ تنشر قوائمها المالية وتخضع حساباتها لتدقيق مدقق حسابات خارجي وتطبق مبادئ حوكمة الشركات والمزاوجة بين المحاسبة والمسؤولية.
5. أنشأت حكومة ماليزيا شركة الخزانة الوطنية Khazanah National Public Company Limited عام 1993م كشركة عامة محدودة المسؤولية وفق نظام الشركات الماليزي. وتملك حكومة ماليزيا أسهمها بالكامل وهي الجهاز الاستثماري لحكومة ماليزيا ومفوضة استراتيجياً بالاستثمار نيابة عن حكومة ماليزيا وتنشيطه في الصناعات والأسواق الحديثة وتهدف باستثماراتها إلى دعم النمو الاقتصادي في ماليزيا كما تقوم بدور القوة الموجهة Driving Force للاقتصاد الماليزي . وتستثمر شركة خزانة فيما يزيد على (50) شركة في ماليزيا وفي الخارج ، ويدير شركة خزانة مجلس إدارة مؤلف من ثمانية أعضاء من القطاعين العام والخاص برئاسة رئيس مجلس وزراء ماليزيا .حيث يقوم المجلس بتعيين أعضاء مجالس إدارة الشركات التي تملكها أو تسيطر عليها الشركة ، وكذلك تعيين مسؤوليها الإداريين الرئيسين فيها .
6. تعتبر الصين الشعبية أكبر مالك لاحتياطيات أجنبية في العالم تقدر بحوالي (1) تريليون دولار 15/3/2007م نتيجة النمو الهائل في صادرات الصين وتدفق رأس المال الأجنبي المباشر FDI إليها. وقررت الصين بعد دراسة عوائد هذه الاستثمارات سلوك الطريق الذي سارت عليه سنغافورة وتأسيس شركة مشابهة لشركة تيماسك برأسمال يتراوح بين (200) إلى (400) مليار دولار واتباع استراتيجية استثمارية أكثر جرأة ، واستخدام أموالها في منتجات استثمارية ذات مردود أعلى كتأسيس الشركات وشراء أسهم وشراء ديون الدول الأخرى .
يتلخص ما يمكننا استنتاجه من تجارب هذه الدول في ما يلي :
أ- لا يقوم المصرف المركزي عادة بالعمل كذراع استثماري للدولة ولا تقوم الإدارات أو المنظمات التي تدار بالأسلوب الحكومي بإدارة هذه الاستثمارات, والنموذج الأكثر تطبيقا هو تأسيس شركات وفق للنظام السائد في البلد على أن تعمل مثل باقي الشركات الأخرى باستثناء تملك الدولة لكامل الأسهم ، لتقوم بدور الجهاز الاستثماري للدولة والقوة الموجهة للاستثمار ، على أن تخضع للعلنية والشفافية وحوكمة الشركات وتدقيق الحسابات الخارجية وإدارة الاستثمار وفق قواعد الاستثمار التجاري البحت .
ب- لا تقوم شركة واحدة فقط بمسؤولية إدارة موارد الدولة بل يتم تأسيس شركة استثمارات في الوسائل والمنتجات المالية وشركة استثمارات في إدارة الأصول وتملكها، بالإضافة إلى تأسيس الشركات الجديدة .
ج- ليس هناك من تناقض بين ملكية الدولة لكامل رأسمال الشركة الاستثمارية الحكومية إضافة إلى تعيين مجلس إدارتها (شريطة أن يكونوا من الخبراء والمتفرغين) وبين انطلاق هذه الشركة في السوق المحلي والسوق العالمي باحثة عن الفرص الاستثمارية .
د- تتم معاملة مسئولي ومديري ومجلس إدارة هذه الشركات باعتبارهم موظفي قطاع خاص وأن يحصلوا على مكافأة مجزية لأعمالهم حتى ولو كانت نسبة بسيطة من الأرباح كما تعمل الشركة وفقا لآليات القطاع الخاص .
ه- تشكل هذه الشركات من خلال عوائد الاستثمار الذكي مصدر دائم وقوي لتغذية الميزانية العامة.
و- تعتبر هذه الشركات أداة قادرة على إنشاء شراكات اقتصادية مع شركات اقتصادية عملاقة ورائدة في مجالها على المستوى العالمي .
ز- تدل تجربة الصين بوضوح على أن الاستثمار في سندات الخزينة ليس هو الطريق الأفضل بل ربما كان هو الطريق الأقل جدوى استثمارياً .
بعد استعراض التطور التاريخي للميزانية العامة في المملكة وبعد تقييم أساليب استخدام الفوائض المالية المتاحة ودور الجهات العامة ذات العلاقة بهذه الفوائض في التعامل معها، توصلت الدراسة إلى عدد من التوصيات التي سيتم مناقشتها واقرارها في الجلسة المخصصة لمناقشة هذه الدراسة، كما سيتم نشرها في كتيب خاص يحوي كافة توصيات المنتدى.

